يحيي بن حمزة العلوي اليمني
144
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
ومن ذلك ما ذكره عند تلاوته : رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [ النور : 37 ] وما برح لله ، عزت آلاؤه في البرهة بعد البرهة ، وفي أزمان الفترات عباد ناجاهم في فكرهم وكلمهم في ذات عقولهم ، فاستصبحوا بنور يقظة في الأسماع والأبصار والأفئدة ، يذكرون بأيام الله ، ويخوفون مقامه ، بمنزلة الأدلة في فلوات القلوب ، من أخذ القصد حمدوا إليه طريقه وبشروه بالنجاة ، ومن أخذ يمينا وشمالا ذموا إليه الطريق ، وحذروه من الهلكة ، وكانوا كذلك مصابيح تلك الظلمات ، وأدلة تلك الشبهات . ومن ذلك ما ذكره عند تلاوته قوله تعالى : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ( 6 ) [ الانفطار : 6 ] أدحض مسؤول حجة ، وأقطع مفتر معذرة ، لقد أبرح جهالة بنفسه ، يا أيها الإنسان ما جرأك على ذنبك ، وما غرك بربك ، وما آنسك بهلكة نفسك ، أما من دائك بلول ، أليس من نومتك يقظة ، أما ترحم من نفسك ما ترحم من غيرك ، فانظر أيها المتأمل إلى هذه المطالع في الوعظ والزجر ، وهذه الافتتاحات بمعانى هذه الآي كيف طبق مفاصلها ولم يخالف مجراها ، ولا أخذ في غير طريقها ، وأتى بما يلائم معناها ، ويوافق مجراها ، ويحقق مغزاها بالكلام الذي تبهر القرائح فصاحته ، وتدهش العقول جزالته وبلاغته ، ولله در أمير المؤمنين لقد فاق في كل خصاله ، ونكص كل بليغ أن يحذو على مثاله ، خاصة فيما يتعلق بالخطب في التوحيد فإنها افتتاحات ملائمة للمقصود أشد الملاءمة . المثال الرابع ما ورد من كلام البلغاء في ذلك ، وأحسن ما قيل في الافتتاح ما قاله أبو تمام في قصيدته التي امتدح بها المعتصم عند فتحه لمدينة عمّوريّة ، وقد كان أهل التنجيم زعموا أنها لا تفتح عليه في ذلك الوقت ، وأفاض الناس في ذلك حتى شاع الأمر وصار أحدوثة بين الخلق ، فلما فتحت عليه ، بنى أبو تمام مطلع القصيدة على هذا المعنى مكذبا لهم فيما قالوه ، ومادحا للمعتصم في شدة البأس وإعراضه عن التطير بالنجوم فقال . السيف أصدق أنباء من الكتب * في حدّه الحدّ بين الجدّ واللعب « 1 » بيض الصّفائح لا سود الصحائف في * متونهنّ جلاء الشّكّ والرّيب وقال معرضا بأهل النجوم وأنه لا عبرة بما قالوه في ذلك : والعلم في شعب الأرماح لامعة * بين الخميسين لا في السبعة الشهب أين الرواية أم أين النجوم وما * صاغوه من زخرف فيها ومن كذب
--> ( 1 ) البيت في الإيضاح ص 371 ، وهو لأبى تمام في ديوانه ص 18 ، وما بعده .